السبت، 11 أغسطس 2012

بطولة عالمية .. فوق مباني متهالكة

المهندس/ فارس هاني التركي


صديقي الإنجليزي "مارتن يول" كان كثير التذمر من المنطقة التي كنا نسكنها في شرق لندن عام 2003 وذلك لأنها على مقربه من مجمع للورش والمباني المتهالكة وبعض المصانع المهجورة. وكان "مارتن" يتأفف كلما مررنا من تلك الورش لإصلاح سيارته، حيث كان يصف تلك المنطقة بأكملها أنها أشبه بمدن الدول النامية في العالم الثالث المتخلف.
ولكن بعد اتصال هاتفي جرى بيني وبينه، عقب فوز لندن تنظيم أولمبياد 2012، سألته، هل لازلت تتمنى زوال تلك المنطقة من خريطة بلادك وهي سبب تأهلكم لتنظيم الأولمبياد؟ فعدّد لي مارتن مستقبل المنطقة التي تبلغ مساحتها 500 هكتار (أي ما يعادل مساحة 357 ملعب كرة قدم). فالحكومة البريطانية قررت هدم كل الورش وكافة المباني في تلك المنطقة، وهي قرابة 200 مبنى متهالك من أجل بناء القرية الأولمبية.
كما سيتم تطبيق أعلى معايير الاستدامة والحفاظ على البيئة عند تطوير المنطقة، فعلى سبيل المثال سيتم الاستفادة من 90% من الحديد ومواد المباني القديمة التي ستهدم وإعادة تدويرها واستخدامها مره أخرى في بناء مباني القرية الأولمبية كما سيتم توفير 20% من الطاقة التي تحتاجها القرية الأولمبية من داخل القرية ومن مصادر متجددة للطاقة. وهذه مؤشرات تدعو للتفاؤل بالنسبة لصديقي "مارتن" كونه لن يرى تلك المباني المتهالكة التي ستحل محلها قرية الأولمبياد.
استضافة الأولمبياد حلم تسعى له كل الدول، لما له من عوائد اقتصادية، وفوائد ثقافية وسياحية وإجتماعية كبيرة جداً، ففعاليات البطولة التي يشارك فيها قرابة 14,700 رياضي للمنافسة على 46 رياضة مختلفة. ولا يوجد أي نشاط في العالم يستطيع أن يحرك اقتصاد دولة بكاملها ويدر عليها خلال أسبوعين، مثلما ستفعل هذه البطولة، فأعداد السائحين، مبالغ الصرف، عقود الرعاية، نسبة إشغال الفنادق، رحلات الطيران، عقود التوريد، توفير الوظائف وغيرها، تشهد أرقام قياسية لم يسبق لها مثيل في لندن.
حيث تشير الدراسات أن عدد الزوار سيصل لنصف مليون زائر يومياً، ونسبة إشغال الفنادق وكافة أنواع السكن للزوار محجوزة بالكامل خلال فترة الأولمبياد علماً أن تكلفة الليلة الواحدة ارتفعت لأربعة أضعاف سعرها الطبيعي. ومن المتوقع أن تباع 7.6 مليون تذكرة لحضور الفعاليات. وأن هذا العدد الكبير من المشاركين والزوار والحضور والمنظمين والعاملين، سيجعلهم يستهلكون قرابة 14 مليون وجبة غذائية، و 330 طن من الفواكه والخضروات، و 232 طن من البطاطس، و 100 طن من اللحوم، و 82 طن من الأسماك، و 21 طن من الأجبان، و 19 طن من البيض، و 75 ألف لتر من الحليب.
كما تشير دراسة أخرى لبنك للويدز Lloyds أن استضافة الألعاب الأولمبية من المتوقع أن تضيف 10 مليار جنية إسترليني للاقتصاد البريطاني بحد أدنى.
ولكن يجب معرفة أن هذا التنظيم يتطلب ميزانيات ضخمة وقابلة للزيادة في أي وقت - وهو ما حدث فعلا - ففي عام 2005 اعتمدت الحكومة البريطانية ميزانية شاملة للمشروع قدرها 2‪.‬4 مليار جنيه استرليني، ولكن وزيرة الأولمبياد "دامي جويل" أعلنت لمجلس العموم عام 2007 أن التكلفة سوف ترتفع لتصل إلى 9 مليار جنيه على أقل تقدير.
فالملعب الرئيسي للأولمبياد والذي يتسع لعدد 80,000 مقعد، كان معتمدا له مبلغ 280 مليون جنية إسترليني، ولكن وصلت تكلفة بناءة الفعليه إلى 486 مليون جنية إسترليني (أي ما يعادل 760 مليون دولار) وبارتفاع قدره 42% عن المعتمد في الميزانية؛ وذلك بسبب التضخم والضرائب. وهي تكلفة تكلفه مرتفعه جداً إذا ما قارنا ذلك بملعب سيدني الأولمبي والذي كلف قرابة 402 مليون دولار ويتسع لقرابة 110,000 مقعد.
والمركز المائي والذي يضم المسبح الأولمبي ويستوعب 22,500 معقد، كذلك لنفس الأسباب ارتفعت تكلفته من 74 مليون إلى 269 مليون جنية إسترليني.



هذا التنظيم الضخم لن يكون عائقاً أمام الإنجليز، فمن عاش بينهم يعرف جيداً أنهم شعب يخطط وينفذ ثم يستثمر بإمتياز، كيف لا و 17% من الناتج القومي المحلي لبريطانيا يأتي من لندن، وهو مساوٍ لكامل الدخول القومي لدولة مثل السويد أو بلجيكا. فيما يعتبر الاقتصاديين الإنجليز من أقوى وأدهى الاقتصاديين في العالم، وهو ما نراه بوضوح من خلال بورصة لندن (London Stock Exchange) التي تعتبر أكبر بورصة في العالم، بواقع 2900 شركة مدرجة بلغت قيمتها الإجمالية 2,3 تريليون جنية استرليني، وتبلغ تعاملاتها 32٪ من المعاملات المالية في العالم.
بعد سرد هذه الأرقام قمت بالاتصال بصديقي "مارتن" منذ يومين لمعرفة رأيه فيما حدث في هذه المنطقة التي كانت منبوذة بالنسبة له وكيف أصبحت اليوم بعد سبع سنوات من العمل. ولم يخفي مارتن سعادته وقلقة بنفس الوقت، فهو سعيد لأن المنطقة أصبحت كالعروس في ليلة زفافها - حسب وصفه - ولكنه قلق على مصير هذه المنشآت وبالأخص الملعب الرئيسي بعد الأولمبياد.
فهو من كبار مشجعي نادي "ويست هام يونايتد" النادي الذي فاز بحق إدارة الملعب واللعب عليه بعد انتهاء الأولمبياد، ولكن لاعتراض نادي "توتنهام" على عملية الاختيار والتشكيك فيها، وأيضاًً نادي "ليتون آورينت" القريب جداً من الملعب الأولمبي والذي أشتكى أن النادي سوف يفلس في حال قدوم نادي "ويست هام يونايتد" للمنطقة، فقد تم نقض الحكم وتحديد موعد جديد للنظر في القضية بعد الأولمبياد لاختيار النادي الذي سوف يستخدم الملعب بعد الانتهاء من الألعاب الصيفية.

بغض النظر عن من سوف يستخدم الملعب بعد الأولمبياد، الشيء الأكيد أن استضافة الأولمبياد وتطوير المنطقة القديمة بهذا الشكل المذهل من الأشياء التي سوف يفتخر بها الإنجليز لمده طويلة ويجب أن تدرس وتصدر ليستفاد منها في دولنا.

رابط المقال في جريدة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2012/08/11/article_682216.html

الخميس، 2 أغسطس 2012

نظام الأوسمة في المملكة العربية السعودية


نظام الأوسمة في المملكة العربية السعودية


بمناسبة حصولي على وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الثالثة و لسؤال العديد من الأصدقاء عن نوعية الأوسمة و درجاتها ومن يستحقها، فأحببت أن أوضح نظام الأوسمة في المملكة العربية السعودية بشكل سريع مع بعض الأمثلة التوضيحية.



بشكل أساسي الأوسمة السعودية تنقسم إلي 4 درجات رئيسية* وهي كالتالي:
أ. قلادة بدر الكبرى.
ب. قلادة الملك عبدالعزيز
ج. وشاح الملك عبدالعزيز
د. وسام الملك عبدالعزيز
*جميع الأوسمة وبجميع درجاتها لا تمنح إلا بموجب أمرٌ ملكي.


دعونا نخوض في تفصيلاتها والفروق بينهما.

أ. قلادة بدر الكبرى
هي أرفع الأوسمة السعودية درجة في التكريم ولا تمنح إلا تكريماً للملوك ورؤساء الدول.
أشهر من حصل عليها: جلالة ملك ماليزيا توانكو سيد سراج الدين.

ب. قلادة الملك عبدالعزيز
يتساوى مع قلادة بدر الكبرى في الدرجة ولكن أقل في المرتبة. و كقلادة بدر الكبرى فقلادة الملك عبدالعزيز أيضاً لا تمنح إلا تكريماً للملوك ورؤساء الدول.
أشهر من حصل عليها: رئيس الولايات المتحدة باراك حسين أوباما.

ج. وشاح الملك عبدالعزيز
وشاح الملك عبدالعزيز و يعتبر في الدرجة الثانية (بعد قلادة بدر الكبرى و قلادة الملك عبدالعزيز) وله طبقتنا: الطبقة الأولى والثانية و يمنح فقط للآتي :
- أولياء العهد وأمراء الأسر المالكة .
- رؤساء مجلس الوزراء .
- رؤساء الهيئات النيابية ومن في درجتهم مثل: رئيس مجلس الشعب أو مجلس الشورى أو مجلس العموم أو الكونجرس.

أشهر من حصل على وشاح الملك عبدالعزيز من الطبقة الأولى:

رئيس مجلس وزراء إيطاليا: سلفيو برلسكوني


رئيس وزراء ماليزي: محمد عبدالرزاق


المستشارة الألمانية: أنجيلا ميركل


أما بالنسبة لوشاح الملك عبدالعزيز من الطبقة الثانية  فمن أشهر من حصل عليه:
المهندس علي النعيمي وزير البترول والثروة المعدنية وذلك تقديرا لجهوده في تأسيس جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية.


د. وسام الملك عبدالعزيز
هو ثالث الأوسمة السعودية في الدرجة ويمنح تقديراً لمن يؤدي خدمات كبرى للدولة أو لأحد مؤسساتها أو يقوم بخدمات أو أعمال ذات قيمة معنوية هامة أو لمن يقدم تضحيات كبيرة .
وهو عبارة عن 4 درجات: الممتازة، الأولى، الثانية والثالثة.

أشهر من حصل على وسام الملك عبدالعزيز:

-         رئيس أرامكو السعودية الأستاذ خالد بن عبد العزيز الفالح والذي منحه خادم الحرمين الشريفين وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الممتازة خلال حفل افتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية.

-         الدكتورة خولة سامي الكريع والذي منحها خادم الحرمين وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى نظير تحقيقها عدة إنجازات متميزة في مجال أبحاث الصفات الوراثية (الجينية) للخلايا السرطانية  جعلتها من الكفاءات التي يشار إليها بالبنان محلياً وإقليماً وعالمياً. وللعلم فقد فازت الدكتورة خولة بجائزة هارفارد للتميز العلمي لعام 2007.

-          الشهيد فرمان علي خان ــ باكستاني الجنسية ــ والذي منحه خادم الحرمين  وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى لقيامة بإنقاذ 14 شخصا من الغرق خلال السيول التي اجتاحت مدينة جدة عام 2010.
*الصورة لعائلة الشهيد فرمان خان في تكريم بالسفارة السعودية بإسلام أباد، باكستان

-          المعلمات 1) غدير بنت محمد كتوعة و 2) ريم بنت علي النهاري و 3) سوزان بنت سالم الخالدي اللاتي استشهدن في حريق مدارس براعم الوطن في جدة. و قد تم منحهن وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى ومكافأة مالية قدرها مليون ريال لكل معلمة.
رحمة الله عليهم فقد أسهمن بكل تفاني وإخلاص في إنقاذ طالبات المدرسة.

-         البطل/ سيف بن فدعوس الشمري والذي منحه خادم الحرمين الشريفين وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى نظير عمله الشجاع في إنقاذ فتاة من السيل الجارف الذي ضرب مدينة حائل عام 2009.
كما قلد خادم الحرمين، زميليه عمر أحمد الفقيه ورشيد زامل الشمري وسام الملك عبدالعزيز ولكن من الدرجة الثانية وذلك لمساعدتهم البطل سيف في نفس الحادثة.
فيديو لحظة الإنقاذ ......

ومن فتره لأخرى يصدر خادم الحرمين الشريفين أوامره بمنح عدد من الأوسمة لمن يقدم خدمات كبرى للدولة أو أعمال ذات قيمة للمجتمع مثل التبرع بالدم أو التبرع بالأعضاء.

من الأشياء الطريفة في موضوع الأوسمة هي مطالبة عضو مجلس الشورى د.حاتم المرزوقي ومعه 16 عضو آخر في العام الماضي، بمنح أعضاء المجلس وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى، وهو ما كان محل استهجان وسخرية من قبل المجتمع السعودي وخاصة في تويتر الذي طالب المغردين فيه أعضاء الشورى بخدمة المجتمع و أفراد الشعب أولاً قبل المطالبة بالحصول على الوسام!

رابط للخبر مع بعض التعليقات الطريفة على موقع العربية نت:


الخميس، 19 يوليو 2012

الثور الإسباني وسهام الاقتصاد!


الثور الإسباني وسهام الاقتصاد!

حقق الشباب الإسباني (كاسياس وتشافي وإنييستا وباقي لاعبي المنتخب) مجموعة إنجازات كروية تاريخية لم يسبقهم إليها أي منتخب عالمي، مما جعلهم الأفضل عالميا والأقدر على تجاوز منتخبات عريقة كالمنتخب الكرواتي، والمنتخب الفرنسي، والمنتخب الإيطالي في النهائي الأوروبي 2012.
فرحة هذه الإنجازات أفسدتها آلام السهام الاقتصادية التي تعصف بالبلاد والتي حولت 25 في المائة من الإسبان إلى عاطلين عن العمل (أي أن نصف الشباب الإسباني عاطلون عن العمل فعليا)، وهو أعلى معدل في دول أوروبا كافة، بما فيها اليونان التي تقع بين مطرقة الديون وسندان الإفلاس.
هناك عدة أسباب لما يمر به الاقتصاد الإسباني مؤخرا، لكن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تسببت بشكل مباشر في هذه الأزمة:
أولا: انهيار القطاع العقاري، حيث انخفضت أسعار العقارات بنسب تفاوتت بين 25 في المائة إلى 40 في المائة خلال السنوات الأربع الأخيرة؛ وذلك تسبب في جعل كثير من الإسبان (المقترضين عقاريا) لا يوفون بسداد قروضهم العقارية، وإعادة منازلهم التي اشتروها سابقا للبنوك الإسبانية التي أقرضتهم.
بمعنى أنه في حال اشترى شخص ما منزلا بقيمة مليون يورو، وبدأ في السداد، ثم انخفض سعر المنزل إلى 600 ألف يورو، فبالتأكيد سوف يقوم بإرجاع المنزل للبنك ولن يقوم بإكمال سداد القرض.
وبازدياد تعثر المقترضين وإعادة منازلهم للبنوك، أصبحت البنوك لا تمتلك السيولة المالية الكافية، ولا تجد عملاء جددا لشراء هذه المنازل، مما يعني أن البنوك أصبحت في ورطة عدد هائل من المنازل التي لا يقوم أحد بشرائها أو سداد أقساطها.
ومن جهة أخرى، توقفت شركات التطوير العقاري عن بناء منازل جديدة، وتم تسريح معظم عمال البناء الذين يشكلون 13 في المائة من القوة العاملة في إسبانيا، وهو أحد مسببات زيادة نسبة البطالة.
ثانيا: انخفاض الميزة التنافسية للمنتجات الإسبانية مقابل منتجات دول كالصين وكوريا الجنوبية. فصناعة النسيج الإسبانية، مثلا، تم تدميرها بشكل شبه كامل من قِبل المنتجات الكورية ذات الجودة العالية والأسعار الأقل.
ثالثا: الفشل الحكومي في إدارة الأزمة منذ بدايتها.
فإسبانيا من أفضل الدول التي تصدت للانهيارات التي عصفت بأسواق المال عام 2008 وذلك لصرامة بنكها المركزي وقوانينها المالية المشددة، ولكن لمصالح شخصية قام الكونغرس الإسباني (الذي يمتلك معظم أعضائه عقارات مختلفة) بالتصويت لصالح قوانين مالية أكثر تساهلا لتشجيع البنوك على المزيد من الإقراض العقاري، والتي كانت آثارها كارثية لاحقا.
ومن جانب آخر، إذا ما قارنا الحال في إسبانيا بدولة مثل ألمانيا، بخصوص زيادة الرواتب لموظفي القطاع العام والخاص، فقد ظلت ميزانية الرواتب للقطاع العام في ألمانيا ثابتة منذ عام 1999 إلى 2011، بينما الحكومة الإسبانية كانت سخية أكثر، وزادت الرواتب خلال الفترة نفسها بمقدار 35 في المائة تقريبا بشكل غير مدروس؛ مما تسبب في ارتفاع بند المصروفات.
الحكومة الإسبانية تحاول جاهدة إصلاح ما أفسده الدهر (أو ما أفسدته أيديها) فقامت بتقليص الإنفاق بشكل كبير ورفعت الضرائب وجمدت ارتفاع رواتب موظفي الحكومة، وأوقفت التوظيف في القطاع الحكومي، فيما قامت أيضا بسن قوانين تسهل من تسريح الموظفين في القطاع الخاص، لضمان عدم انهيار الشركات الخاصة والإبقاء على بصيص أمل لعودتها مرة أخرى بشكل قوي بدلا من انهيارها وزيادة إرهاقها بمصاريف لا تستطيع الوفاء بها.

إسبانيا تعاني في جميع القطاعات، لكن القطاع الخاص هو المعضلة الأكبر. وهذا يتضح من خلال الدين العام للقطاع الخاص مقارنة بالقطاع الحكومي، فالدين الحكومي مقارنة بالناتج الاقتصادي السنوي ظل ثابتا خلال 10 سنوات من (2000 إلى 2010) عند 71 في المائة. أما القطاع الخاص (للمدة نفسها) فارتفع من 187 في المائة عام 2000 إلى مستوى قياسي وهو 283 في المائة عام 2010.

كيف يبدو الوضع اليوم في الشارع الإسباني؟
- بنك «Bankia» العملاق (وهو أكبر بنك عقاري في إسبانيا) أعلن حاجته لمبلغ 19 مليار يورو لمواجهة ديون متعثرة. لدرجة أنه خلال سنتين فقط هبط سعر سهم البنك بنسبة 75 في المائة عن سعره الأساسي، وهو (3.75 يورو في يونيو/ حزيران، 2010، إلى أقل من يورو واحد في يونيو 2012).
- تم خفض تصنيف إسبانيا من قبل وكالات التقييم الائتماني، والذي أدى بدوره لصعوبة وارتفاع نسبة أي قرض تطلبه حيث إن الخطورة في التعامل معها قد زادت بشكل كبير. وقد وصلت نسبة الفوائد للقروض الحكومية مؤخرا إلى 7 في المائة، وأعلن وزير المالية الإسباني يومها أن أسواق المال قد أغلقت أبوابها في وجه إسبانيا.
- أصدرت الحكومة الإسبانية سندات بقيمة 2.2 مليار يورو، وباعتها بنسب وصلت إلى 6.07 في المائة لحاجتها للنقد في تسيير أمور الدولة.
قبل ذلك ظلت حكومة إسبانيا تنكر بشكل رسمي ومتكرر حاجتها لأي دعم مالي، وأكدت باستمرار قدرتها على تجاوز الأزمة. لكن في شهر يونيو 2012 طلبت اجتماعا عاجلا لوزراء مالية اليورو لطلب قروض مالية تساعدها على حل مشاكلها المالية، وهو ما أسفر عن الموافقة على منح إسبانيا دعما بمقدار 100 مليار يورو.
وكشف تقرير بعض المحللين الذين قاموا بزيارة البنوك الإسبانية ومراقبتها من الداخل أنها بحاجة إلى 62 مليار يورو إضافية؛ وذلك لانكشاف العديد من استثماراتها على مخاطر عالية جدا.
وما زالت الحكومة الإسبانية تردد أنها قادرة على تجاوز الأزمة بارتياح، وأن هذه المبالغ لن تذهب للحكومة لكنها سوف تذهب لدعم القطاع المصرفي الذي بدوره سيعالج مشكلة توقف عجلة الاقتصاد والتنمية، حيث إن البنوك الإسبانية شارفت على الانهيار وتوقفت تقريبا عن إقراض الأفراد والمؤسسات لعدم وجود السيولة الكافية.

رغم كل ما سبق تظل إسبانيا - التي تتربع على عرش كرة القدم العالمية، والتي وضعت خططا ذكية وطويلة المدى لجعل أنديتها ورياضتها الوطنية تتبوأ المرتبة الأولى عالميا - هي رابع أقوى اقتصاد في منطقة اليورو بعد ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وثامن دولة في العالم من ناحية إجمالي الناتج المحلي، فدعمها كان متوقعا ولم يكن مفاجئا للمتابعين والمهتمين بالشأن الاقتصادي.
فإسبانيا دولة صناعية من الطراز الأول، ولديها موارد مختلفة، وأي متابع منصف يدرك أن إسبانيا تستطيع الخروج من أزمتها لكنها بحاجة إلى إدارة قوية وشعب صبور لتحقيق معجزة اقتصادية جديدة كما فعلها رياضيوها.



*المهندس/ فارس هاني التركي


رابط المقال في جريدة الشرق الأوسط
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=686810&issueno=12285



الأربعاء، 20 يونيو 2012

اليونان .. القصة باختصار


أزمة اليونان ،، ما هي بالتحديد؟ وإلى أين متجهين؟


كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن اليونان وعن أزمة اليونان المالية، وهي جزء من أزمة كبيرة يمر بها الإتحاد الأوروبي مؤخراً وهي أيضاً تبعات لما يعيشه العالم أجمع من الناحية الاقتصادية. فلا يمكن عزل موضوع معين كهذا عن باقي العالم وإن كان بالتأكيد له مسببات رئيسية خاصة سوف نعرج على بعضها.

ما هو الوضع في اليونان اليوم؟
باختصار شديد: حكومة لا تملك المال الكافي، دخل الدولة أقل من صرفها، أدى ذلك لعجز في ميزانية الدولة، شعب يعاني من البطالة، هبوط شديد في أسعار العقار والأصول، إرتفاع شديد في أسعار المواد الاستهلاكية، ديون عالية على الدولة وتجد صعوبة في سدادها، فساد حكومي كبير، شباب ثائر!!!

طبعاً هناك أسباب أوصلت اليونان لهذا الوضع، دعونا نعرج على بعضها:

أولا: الدخول مبكراً في الإتحاد الأوروبي والتوقيع على اتفاقية اليورو! 
حماس الإنضمام لنادي الأغنياء جعل اليونان توقع وتلتزم ببعض الشروط القاسية والمجحفة نوعاً ما لها لمجرد الإنضمام ودون قياس تأثير ذلك على المدى البعيد بشكل صحيح.

ثانياً: الفساد الحكومي الكبير! الحكومة اليونانية قدمت أرقام مغلوطة جداً عن الأزمة وعن مقدار الديون المتعثرة وعن حجم تأثيرها على البلد. لدرجة أنها اعتذرت عن أخطاء في الميزانية الرسمية المعلنة! تخيل كمثال أن تعلن الدولة رسمياً مقدار العجز في ميزانيتها ثم بعد ٦ أشهر تعتذر وتقول عفواً العجز لم يكن ٨٨ مليار وإنما كان ٢٩٥ مليار؟؟؟؟

ثالثاً: استشراء الرشوة! في أحد الأحياء الراقية بالعاصمة أثينا أفصح فقط ٣١٨ شخص أنهم يملكون مسابح خاصة في منازلهم، بينما أظهر مسح بالأقمار الصناعية عن طريق جوجل أن هناك ٣،٢٧٢ منزل يحتوي على مسابح خاصة! طبعاً السبب كان للتهرب من دفع ضرائب أعلى والطريقة كانت دفع رشاوى لموظفي الحكومة لتمرير هذه الحالات!

رابعاً: إرتفاع أسعار البترول، وهذا السبب تسبب في ضرر كبير لليونان وجميع دول الإتحاد الأوروبي والدول المستوردة للبترول. فإرتفاع سعر البترول ينعكس بشكل مباشر على أسعار باقي الصناعات والسلع.


في ظل هذه الظروف، ما هو موقف أعضاء منطقة اليورو ال١٧؟
دول اليورو حريصة جداً على مساعدة اليونان ودعمها مادياً لتجاوز هذه الأزمة، ولكن هذا الدعم لن يكون بلا حدود أو إلى مالا نهاية.
وهي حريصة أيضاً على مساعدة اليونان وعدم خروجها وانسحابها من الإتحاد و اتفاقية اليورو لعدة أسباب منها: 
أن هذه الدول بقيادة ألمانيا و وفرنسا أكبر الدائنين لليونان، فهي حريصة على أن تتعافى اليونان لكي تستطيع استرجاع هذه الديون.
طالما أن اليونان في ظل الاتحاد الأوروبي فسوف تستطيع ألمانيا و وفرنسا من فرض خطط إصلاح معينه والتحكم بالسياسة النقدية لحد كبير.
في حال خروج اليونان فإنها سوف تتحرر من بعض اتفاقيات التجارة والمحاصصه وذلك سوف يضر ببعض الدول الأعضاء الآخرين مثل أسبانيا وإيطاليا في مثال زيت الزيتون.
انهيارها اقتصاديا سوف يؤدي إلى انهيار ثقة المستهلك و سيؤدي إلى إرتفاع مخاطر فشل النموذج الأوروبي بشكل حقيقي.
 خروج اليونان من الاتحاد سوف يشجع الدول الأخرى في الاتحاد والتي تعاني من أزمات اقتصادية مماثلة والتي يطلق عليها حالياً PIIGS و هي البرتغال و ايطاليا و ايرلندا و اليونان و أسبانيا.

في المقابل لماذا لا تخرج اليونان من الاتحاد الأوروبي وتتحرر من اتفاقية اليورو؟ أو لماذا تأخرت ولم تتخذ هذا القرار إلى يومنا هذا؟
القرار ليس بهذه السهولة والأمور ليست بهذا الوضوح.
السبب الرئيسي هو أن ذلك سوف يترتب عليه إلغاء عملة اليورو وطرح الدراخما الجديدة وسوف يكون لها سعر صرف جديد والذي غالباً ما سينهار في بداية طرحة لإنعدام ثقة السوق في إقتصاد اليونان ككل. سيؤدي أي إنخفاض في العملة الجديدة لمزيد من الصعوبات في سداد ديون اليونان والمقيمة أصلاً باليورو!
كمثال: لو كانت ديون اليونان ١٠٠ مليار يورو وسعر سعر الدراخما الجديدة يساوي ١ دراخما لكل يورو، فمعناه أن اليونان يجب أن تسدد ١٠٠ مليار دراخما. أما لو هبط سعر الدراخما إلى ١.٥ دراخما لكل يورو فمعناه أن اليونان يجب أن تسدد ١٥٠ مليار دراخما مقابل ديونها!!!
وهناك أسباب أخرى مهمة أيضاً كإحتمال تخلي دول منطقة اليورو عن اليونان تماماً وتركها تغرق في محنتها دون تقديم الدعم بإعتبار أن اليونان شقت عصى الطاعة.

هناك مشكلة أخرى وهي أن واضع الدستور الأوروبي الحديث لم يضع سياسة أو إجراءات لكيفية خروج أي دولة من إتفاقية اليورو و لذلك سوف تضطر اليونان للخروج من الإتحاد الأوروبي كاملاً في حال قررت الاستغناء عن اتفاقية اليورو و التحرر منها.

معظم الدعم المالي لليونان قادم من البنك المركزي الأوروبي و صندوق النقد الدولي، ولكن لاستمرار طلب الدعم والمزيد من الأموال فقد فاض بمديرة صندوق النقد الدولي التي قالت: أن الشعب اليوناني كان يتهرب من دفع الضرائب و قد حان وقت الدفع! وقالت أيضاً أن مساعدة صندوق النقد الدولي لدول صحراء شمال إفريقيا أولى و أهم من مساعدة اليونان!
طبعاً التصريح نتج عنه ضجة كبيرة في أوساط الإعلام اليوناني مما دفع زعيم الحزب الإشتراكي أن يتهمها بإهانة الشعب اليوناني وتسائل من أعطها الحق بالكلام عنا؟
ومن المعلوم في الغرب أن التهرب من دفع الضرائب يعتبر تخاذل وخيانة ونقطة تعيير إجتماعي كبيرة، هذا عوضاً عن كونه جريمة يعاقب عليها القانون.  إلى حدٍ ما كالهارب من دفع الزكاة في الإسلام الذي يعتبر قد هدم ركن أساسي من أركان الإسلام!

الكرة الآن في ملعب الحكومة اليونانية الجديدة بقيادة حزب "الديموقراطية الجديدة" المؤيد لخطط الإصلاح والإستمرار في منطقة اليورو.
وضع غير مشجع لأي حكومة أن تدير البلاد خلاله، فالبلد عليها دين يقدر ب550$ مليار دولار والتحديات صعبة والصورة غير واضحة، ومهما كان القرار فالوضع سيكون صعباً على الشعب اليوناني الذي يعاني كثيراً جراء هذه الأزمة الخانقة والتي سوف تستمر تبعاتها لمدة ١٠ أو ٥ سنوات في أقل الأحوال.

هل تستمر اليونان في الإتحاد الأوروبي و تتمسك بإتفاقية اليورو؟ أم هل تتحرر و تتخذ القرار الجريء بالإنسحاب وتتحمل التبعات؟ 
من المرجح أن تبقى بعد إنتخاب الحزب الجديد و لكن سوف نعرف الجواب بشكل قاطع خلال هذا العام، مع العلم بأن مجرد طباعة عملة جديدة يستغرق ٦ أشهر!



*المهندس/ فارس هاني التركي

رابط المقال بجريدة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2012/06/24/article_669648.html