الخميس، 19 يوليو 2012

الثور الإسباني وسهام الاقتصاد!


الثور الإسباني وسهام الاقتصاد!

حقق الشباب الإسباني (كاسياس وتشافي وإنييستا وباقي لاعبي المنتخب) مجموعة إنجازات كروية تاريخية لم يسبقهم إليها أي منتخب عالمي، مما جعلهم الأفضل عالميا والأقدر على تجاوز منتخبات عريقة كالمنتخب الكرواتي، والمنتخب الفرنسي، والمنتخب الإيطالي في النهائي الأوروبي 2012.
فرحة هذه الإنجازات أفسدتها آلام السهام الاقتصادية التي تعصف بالبلاد والتي حولت 25 في المائة من الإسبان إلى عاطلين عن العمل (أي أن نصف الشباب الإسباني عاطلون عن العمل فعليا)، وهو أعلى معدل في دول أوروبا كافة، بما فيها اليونان التي تقع بين مطرقة الديون وسندان الإفلاس.
هناك عدة أسباب لما يمر به الاقتصاد الإسباني مؤخرا، لكن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تسببت بشكل مباشر في هذه الأزمة:
أولا: انهيار القطاع العقاري، حيث انخفضت أسعار العقارات بنسب تفاوتت بين 25 في المائة إلى 40 في المائة خلال السنوات الأربع الأخيرة؛ وذلك تسبب في جعل كثير من الإسبان (المقترضين عقاريا) لا يوفون بسداد قروضهم العقارية، وإعادة منازلهم التي اشتروها سابقا للبنوك الإسبانية التي أقرضتهم.
بمعنى أنه في حال اشترى شخص ما منزلا بقيمة مليون يورو، وبدأ في السداد، ثم انخفض سعر المنزل إلى 600 ألف يورو، فبالتأكيد سوف يقوم بإرجاع المنزل للبنك ولن يقوم بإكمال سداد القرض.
وبازدياد تعثر المقترضين وإعادة منازلهم للبنوك، أصبحت البنوك لا تمتلك السيولة المالية الكافية، ولا تجد عملاء جددا لشراء هذه المنازل، مما يعني أن البنوك أصبحت في ورطة عدد هائل من المنازل التي لا يقوم أحد بشرائها أو سداد أقساطها.
ومن جهة أخرى، توقفت شركات التطوير العقاري عن بناء منازل جديدة، وتم تسريح معظم عمال البناء الذين يشكلون 13 في المائة من القوة العاملة في إسبانيا، وهو أحد مسببات زيادة نسبة البطالة.
ثانيا: انخفاض الميزة التنافسية للمنتجات الإسبانية مقابل منتجات دول كالصين وكوريا الجنوبية. فصناعة النسيج الإسبانية، مثلا، تم تدميرها بشكل شبه كامل من قِبل المنتجات الكورية ذات الجودة العالية والأسعار الأقل.
ثالثا: الفشل الحكومي في إدارة الأزمة منذ بدايتها.
فإسبانيا من أفضل الدول التي تصدت للانهيارات التي عصفت بأسواق المال عام 2008 وذلك لصرامة بنكها المركزي وقوانينها المالية المشددة، ولكن لمصالح شخصية قام الكونغرس الإسباني (الذي يمتلك معظم أعضائه عقارات مختلفة) بالتصويت لصالح قوانين مالية أكثر تساهلا لتشجيع البنوك على المزيد من الإقراض العقاري، والتي كانت آثارها كارثية لاحقا.
ومن جانب آخر، إذا ما قارنا الحال في إسبانيا بدولة مثل ألمانيا، بخصوص زيادة الرواتب لموظفي القطاع العام والخاص، فقد ظلت ميزانية الرواتب للقطاع العام في ألمانيا ثابتة منذ عام 1999 إلى 2011، بينما الحكومة الإسبانية كانت سخية أكثر، وزادت الرواتب خلال الفترة نفسها بمقدار 35 في المائة تقريبا بشكل غير مدروس؛ مما تسبب في ارتفاع بند المصروفات.
الحكومة الإسبانية تحاول جاهدة إصلاح ما أفسده الدهر (أو ما أفسدته أيديها) فقامت بتقليص الإنفاق بشكل كبير ورفعت الضرائب وجمدت ارتفاع رواتب موظفي الحكومة، وأوقفت التوظيف في القطاع الحكومي، فيما قامت أيضا بسن قوانين تسهل من تسريح الموظفين في القطاع الخاص، لضمان عدم انهيار الشركات الخاصة والإبقاء على بصيص أمل لعودتها مرة أخرى بشكل قوي بدلا من انهيارها وزيادة إرهاقها بمصاريف لا تستطيع الوفاء بها.

إسبانيا تعاني في جميع القطاعات، لكن القطاع الخاص هو المعضلة الأكبر. وهذا يتضح من خلال الدين العام للقطاع الخاص مقارنة بالقطاع الحكومي، فالدين الحكومي مقارنة بالناتج الاقتصادي السنوي ظل ثابتا خلال 10 سنوات من (2000 إلى 2010) عند 71 في المائة. أما القطاع الخاص (للمدة نفسها) فارتفع من 187 في المائة عام 2000 إلى مستوى قياسي وهو 283 في المائة عام 2010.

كيف يبدو الوضع اليوم في الشارع الإسباني؟
- بنك «Bankia» العملاق (وهو أكبر بنك عقاري في إسبانيا) أعلن حاجته لمبلغ 19 مليار يورو لمواجهة ديون متعثرة. لدرجة أنه خلال سنتين فقط هبط سعر سهم البنك بنسبة 75 في المائة عن سعره الأساسي، وهو (3.75 يورو في يونيو/ حزيران، 2010، إلى أقل من يورو واحد في يونيو 2012).
- تم خفض تصنيف إسبانيا من قبل وكالات التقييم الائتماني، والذي أدى بدوره لصعوبة وارتفاع نسبة أي قرض تطلبه حيث إن الخطورة في التعامل معها قد زادت بشكل كبير. وقد وصلت نسبة الفوائد للقروض الحكومية مؤخرا إلى 7 في المائة، وأعلن وزير المالية الإسباني يومها أن أسواق المال قد أغلقت أبوابها في وجه إسبانيا.
- أصدرت الحكومة الإسبانية سندات بقيمة 2.2 مليار يورو، وباعتها بنسب وصلت إلى 6.07 في المائة لحاجتها للنقد في تسيير أمور الدولة.
قبل ذلك ظلت حكومة إسبانيا تنكر بشكل رسمي ومتكرر حاجتها لأي دعم مالي، وأكدت باستمرار قدرتها على تجاوز الأزمة. لكن في شهر يونيو 2012 طلبت اجتماعا عاجلا لوزراء مالية اليورو لطلب قروض مالية تساعدها على حل مشاكلها المالية، وهو ما أسفر عن الموافقة على منح إسبانيا دعما بمقدار 100 مليار يورو.
وكشف تقرير بعض المحللين الذين قاموا بزيارة البنوك الإسبانية ومراقبتها من الداخل أنها بحاجة إلى 62 مليار يورو إضافية؛ وذلك لانكشاف العديد من استثماراتها على مخاطر عالية جدا.
وما زالت الحكومة الإسبانية تردد أنها قادرة على تجاوز الأزمة بارتياح، وأن هذه المبالغ لن تذهب للحكومة لكنها سوف تذهب لدعم القطاع المصرفي الذي بدوره سيعالج مشكلة توقف عجلة الاقتصاد والتنمية، حيث إن البنوك الإسبانية شارفت على الانهيار وتوقفت تقريبا عن إقراض الأفراد والمؤسسات لعدم وجود السيولة الكافية.

رغم كل ما سبق تظل إسبانيا - التي تتربع على عرش كرة القدم العالمية، والتي وضعت خططا ذكية وطويلة المدى لجعل أنديتها ورياضتها الوطنية تتبوأ المرتبة الأولى عالميا - هي رابع أقوى اقتصاد في منطقة اليورو بعد ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وثامن دولة في العالم من ناحية إجمالي الناتج المحلي، فدعمها كان متوقعا ولم يكن مفاجئا للمتابعين والمهتمين بالشأن الاقتصادي.
فإسبانيا دولة صناعية من الطراز الأول، ولديها موارد مختلفة، وأي متابع منصف يدرك أن إسبانيا تستطيع الخروج من أزمتها لكنها بحاجة إلى إدارة قوية وشعب صبور لتحقيق معجزة اقتصادية جديدة كما فعلها رياضيوها.



*المهندس/ فارس هاني التركي


رابط المقال في جريدة الشرق الأوسط
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=686810&issueno=12285



الأربعاء، 20 يونيو 2012

اليونان .. القصة باختصار


أزمة اليونان ،، ما هي بالتحديد؟ وإلى أين متجهين؟


كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن اليونان وعن أزمة اليونان المالية، وهي جزء من أزمة كبيرة يمر بها الإتحاد الأوروبي مؤخراً وهي أيضاً تبعات لما يعيشه العالم أجمع من الناحية الاقتصادية. فلا يمكن عزل موضوع معين كهذا عن باقي العالم وإن كان بالتأكيد له مسببات رئيسية خاصة سوف نعرج على بعضها.

ما هو الوضع في اليونان اليوم؟
باختصار شديد: حكومة لا تملك المال الكافي، دخل الدولة أقل من صرفها، أدى ذلك لعجز في ميزانية الدولة، شعب يعاني من البطالة، هبوط شديد في أسعار العقار والأصول، إرتفاع شديد في أسعار المواد الاستهلاكية، ديون عالية على الدولة وتجد صعوبة في سدادها، فساد حكومي كبير، شباب ثائر!!!

طبعاً هناك أسباب أوصلت اليونان لهذا الوضع، دعونا نعرج على بعضها:

أولا: الدخول مبكراً في الإتحاد الأوروبي والتوقيع على اتفاقية اليورو! 
حماس الإنضمام لنادي الأغنياء جعل اليونان توقع وتلتزم ببعض الشروط القاسية والمجحفة نوعاً ما لها لمجرد الإنضمام ودون قياس تأثير ذلك على المدى البعيد بشكل صحيح.

ثانياً: الفساد الحكومي الكبير! الحكومة اليونانية قدمت أرقام مغلوطة جداً عن الأزمة وعن مقدار الديون المتعثرة وعن حجم تأثيرها على البلد. لدرجة أنها اعتذرت عن أخطاء في الميزانية الرسمية المعلنة! تخيل كمثال أن تعلن الدولة رسمياً مقدار العجز في ميزانيتها ثم بعد ٦ أشهر تعتذر وتقول عفواً العجز لم يكن ٨٨ مليار وإنما كان ٢٩٥ مليار؟؟؟؟

ثالثاً: استشراء الرشوة! في أحد الأحياء الراقية بالعاصمة أثينا أفصح فقط ٣١٨ شخص أنهم يملكون مسابح خاصة في منازلهم، بينما أظهر مسح بالأقمار الصناعية عن طريق جوجل أن هناك ٣،٢٧٢ منزل يحتوي على مسابح خاصة! طبعاً السبب كان للتهرب من دفع ضرائب أعلى والطريقة كانت دفع رشاوى لموظفي الحكومة لتمرير هذه الحالات!

رابعاً: إرتفاع أسعار البترول، وهذا السبب تسبب في ضرر كبير لليونان وجميع دول الإتحاد الأوروبي والدول المستوردة للبترول. فإرتفاع سعر البترول ينعكس بشكل مباشر على أسعار باقي الصناعات والسلع.


في ظل هذه الظروف، ما هو موقف أعضاء منطقة اليورو ال١٧؟
دول اليورو حريصة جداً على مساعدة اليونان ودعمها مادياً لتجاوز هذه الأزمة، ولكن هذا الدعم لن يكون بلا حدود أو إلى مالا نهاية.
وهي حريصة أيضاً على مساعدة اليونان وعدم خروجها وانسحابها من الإتحاد و اتفاقية اليورو لعدة أسباب منها: 
أن هذه الدول بقيادة ألمانيا و وفرنسا أكبر الدائنين لليونان، فهي حريصة على أن تتعافى اليونان لكي تستطيع استرجاع هذه الديون.
طالما أن اليونان في ظل الاتحاد الأوروبي فسوف تستطيع ألمانيا و وفرنسا من فرض خطط إصلاح معينه والتحكم بالسياسة النقدية لحد كبير.
في حال خروج اليونان فإنها سوف تتحرر من بعض اتفاقيات التجارة والمحاصصه وذلك سوف يضر ببعض الدول الأعضاء الآخرين مثل أسبانيا وإيطاليا في مثال زيت الزيتون.
انهيارها اقتصاديا سوف يؤدي إلى انهيار ثقة المستهلك و سيؤدي إلى إرتفاع مخاطر فشل النموذج الأوروبي بشكل حقيقي.
 خروج اليونان من الاتحاد سوف يشجع الدول الأخرى في الاتحاد والتي تعاني من أزمات اقتصادية مماثلة والتي يطلق عليها حالياً PIIGS و هي البرتغال و ايطاليا و ايرلندا و اليونان و أسبانيا.

في المقابل لماذا لا تخرج اليونان من الاتحاد الأوروبي وتتحرر من اتفاقية اليورو؟ أو لماذا تأخرت ولم تتخذ هذا القرار إلى يومنا هذا؟
القرار ليس بهذه السهولة والأمور ليست بهذا الوضوح.
السبب الرئيسي هو أن ذلك سوف يترتب عليه إلغاء عملة اليورو وطرح الدراخما الجديدة وسوف يكون لها سعر صرف جديد والذي غالباً ما سينهار في بداية طرحة لإنعدام ثقة السوق في إقتصاد اليونان ككل. سيؤدي أي إنخفاض في العملة الجديدة لمزيد من الصعوبات في سداد ديون اليونان والمقيمة أصلاً باليورو!
كمثال: لو كانت ديون اليونان ١٠٠ مليار يورو وسعر سعر الدراخما الجديدة يساوي ١ دراخما لكل يورو، فمعناه أن اليونان يجب أن تسدد ١٠٠ مليار دراخما. أما لو هبط سعر الدراخما إلى ١.٥ دراخما لكل يورو فمعناه أن اليونان يجب أن تسدد ١٥٠ مليار دراخما مقابل ديونها!!!
وهناك أسباب أخرى مهمة أيضاً كإحتمال تخلي دول منطقة اليورو عن اليونان تماماً وتركها تغرق في محنتها دون تقديم الدعم بإعتبار أن اليونان شقت عصى الطاعة.

هناك مشكلة أخرى وهي أن واضع الدستور الأوروبي الحديث لم يضع سياسة أو إجراءات لكيفية خروج أي دولة من إتفاقية اليورو و لذلك سوف تضطر اليونان للخروج من الإتحاد الأوروبي كاملاً في حال قررت الاستغناء عن اتفاقية اليورو و التحرر منها.

معظم الدعم المالي لليونان قادم من البنك المركزي الأوروبي و صندوق النقد الدولي، ولكن لاستمرار طلب الدعم والمزيد من الأموال فقد فاض بمديرة صندوق النقد الدولي التي قالت: أن الشعب اليوناني كان يتهرب من دفع الضرائب و قد حان وقت الدفع! وقالت أيضاً أن مساعدة صندوق النقد الدولي لدول صحراء شمال إفريقيا أولى و أهم من مساعدة اليونان!
طبعاً التصريح نتج عنه ضجة كبيرة في أوساط الإعلام اليوناني مما دفع زعيم الحزب الإشتراكي أن يتهمها بإهانة الشعب اليوناني وتسائل من أعطها الحق بالكلام عنا؟
ومن المعلوم في الغرب أن التهرب من دفع الضرائب يعتبر تخاذل وخيانة ونقطة تعيير إجتماعي كبيرة، هذا عوضاً عن كونه جريمة يعاقب عليها القانون.  إلى حدٍ ما كالهارب من دفع الزكاة في الإسلام الذي يعتبر قد هدم ركن أساسي من أركان الإسلام!

الكرة الآن في ملعب الحكومة اليونانية الجديدة بقيادة حزب "الديموقراطية الجديدة" المؤيد لخطط الإصلاح والإستمرار في منطقة اليورو.
وضع غير مشجع لأي حكومة أن تدير البلاد خلاله، فالبلد عليها دين يقدر ب550$ مليار دولار والتحديات صعبة والصورة غير واضحة، ومهما كان القرار فالوضع سيكون صعباً على الشعب اليوناني الذي يعاني كثيراً جراء هذه الأزمة الخانقة والتي سوف تستمر تبعاتها لمدة ١٠ أو ٥ سنوات في أقل الأحوال.

هل تستمر اليونان في الإتحاد الأوروبي و تتمسك بإتفاقية اليورو؟ أم هل تتحرر و تتخذ القرار الجريء بالإنسحاب وتتحمل التبعات؟ 
من المرجح أن تبقى بعد إنتخاب الحزب الجديد و لكن سوف نعرف الجواب بشكل قاطع خلال هذا العام، مع العلم بأن مجرد طباعة عملة جديدة يستغرق ٦ أشهر!



*المهندس/ فارس هاني التركي

رابط المقال بجريدة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2012/06/24/article_669648.html